إنقاذ شركة عملاقة قبل لحظات من إعدامها

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

ليس هناك ما هو أكثر فرحاً للصحفى من أن يكون شريكاً -ولو من بعيد- فى إنقاذ صرح ضخم من الانهيار.. أو فى تسليط ضوء ساطع على مجموعة من اللصوص وهم على وشك الانتهاء من تخريب واحدة من أهم الشركات فى تاريخ مصر الحديث، وأن يكون هذا الضوء سبباً فى ارتباك اللصوص وتنبيه الجهات المسئولة إلى الجريمة قبل اكتمالها.

والذى حدث أننى طالعت عام 2009 إعلاناً عن مزاد علنى فى جريدة «الأهرام»، تعلن فيه «شركة الكراكات المصرية» عن بيع عدد كبير من معداتها الثقيلة «أوناش – جرارات – كراكات مائية»، باعتبارها خردة. آنذاك كنت قد انتهيت من قراءة كتاب عن «تاريخ تطور الرى فى مصر»، وتوقفت طويلاً أمام عدد من الشركات التى تم إنشاؤها فى مصر فى بداية الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وكان من بينها شركة الكراكات التى قامت بدور مذهل فى حفر الترع والمصارف وإقامة قناطر الرى وبناء الأهوسة والهدارات فى عموم القُطر المصرى.. ولا أدرى على وجه الدقة ما الذى دفعنى آنذاك إلى البحث عن «مصدر مطلع» يساعدنى فى الوقوف على حالة شركة الكراكات، وما الذى يدعوها إلى بيع هذا العدد الضخم من المعدات باعتبارها خردة؟، وما أن بدأت فى التقصى حتى أذهلتنى الكارثة، حيث أكد لى عدد من كبار العاملين فى هذه الشركة أن «مزاد البيع» الذى نشرته «الأهرام» كان هو المزاد السادس خلال عامى 2008 و2009، وأن معظم المعدات الثقيلة التى تم بيعها خردة، لم تكن فى حاجة إلى أكثر من صيانة بسيطة لكى تكون صالحة للعمل.

آنذاك سارعت إلى كتابة مقال تحت عنوان «إعلان وفاة شركة عملاقة» نشرته «المصرى اليوم» بتاريخ 26 أكتوبر 2009، وبعد عدة أيام من نشر المقال جاءنى رد من رئيس مجلس إدارة شركة الكراكات آنذاك، أصر فيه على أن كل ما تم بيعه لم تكن تجدى معه أى صيانة، واعترف فى رده الذى نشرته ضمن مقالى التالى فى 10 نوفمبر 2009 بأن «المزادات الستة التى جرت خلال العامين الأخيرين أدت لحصيلة مالية قدرها 4٫3 مليون جنيه.. وأن كل ما تم بيعه هو 54 حفاراً فقط»!!.

وكان هذا الرد الصفيق سبباً رئيسياً فى أن أجد نفسى أمام حالة مذهلة بكل المقاييس، فقد أثار ما كتبته عاصفة من الشجون والمواجع عند عدد كبير من خبراء الرى ومياه النيل والجيولوجيا، وعلى امتداد شهور تكونت لدىّ حكايات ووقائع وملاحم عن هذه الشركة العملاقة، كان من بينها قيام كراكات وشفاطات الشركة بتطهير مجرى النيل من المنابع الاستوائية والإثيوبية إلى نهايات فرعى دمياط ورشيد من نيل مصر، وكان أثمن وأروع ما حدث معى بسبب هذين المقالين، أننى تلقيت رسالة على الإيميل من الدكتور رشدى سعيد عالم الجيولوجيا المصرى الكبير، وصاحب أهم مؤلفين عن «جيولوجية مصر» و«نهر النيل»، وفى رسالته أخبرنى هذا العالم المرموق بأنه يقضى شتاء كل عام فى مصر، وعندما التقيته فى يناير عام 2010 سألنى الرجل: لماذا لا تؤلف كتاباً عن شركات الرى والصرف المصرىة، إن كتاباً يتعقب ملاحم هذه الشركات -وخصوصاً شركة الكراكات- ويرصد ما حدث لها من تخريب متعمد، أصبح واجباً وطنياً كبيراً.. إن ما حدث وما سوف يحدث مستقبلاً مع هذه الشركات هو دليل عملى شديد الوضوح على التخريب المتعمد لأعظم وأهم شركات مصر المملوكة للدولة.

والحقيقة أننى انشغلت بعشرات الخيبات والخيانات الأخرى، كانت الفواجع وعمليات التخريب لشركات قطاع الأعمال العام تمضى فى تسارع مجنون، ثم قامت ثورة 25 يناير 2011، ودخل الوطن كله فى نفق خطير.. وتبدلت وتنوعت وتفرعت الاهتمامات.. ولكننى بين حين وآخر كنت أعود -مرغماً- إلى شركة الكراكات لأتابع فى وجع رهيب أخبار إضرابات ومظاهرات عمالها فى أواخر كل شهر لإرغام الحكومة على صرف مرتباتهم، وكنت كلما اتصلت بأحد ممن أعرفهم فى الشركة أفاجأ بأن معظمهم قد غادروها إلى المعاش المبكر يأساً من أى إصلاح. وكانت الحسرة تنهش قلبى كلما قضيت إجازة فى قريتى ورأيت بعينى أكوام القمامة وورد النيل والحشائش والبوص والحيوانات والدواجن النافقة وهى تسد مجارى المياه فى الترع والمصارف.. رغم أن وزارة الرى تنفق سنوياً مئات الملايين من الجنيهات فى مناقصات تطهيرها التى تسندها للقطاع الخاص ولمجموعة اللصوص الذين اشتروا المعدات على أنها خردة، ثم قاموا بصيانتها واحتكروا مناقصات التطهير والتكريك، بينما شركة الكراكات العملاقة تحتضر مثل أسد جريح تكالبت عليه الضباع!.

وكما وقعت عينى صدفة على إعلان المزاد الكارثى عام 2009، وقعت عينى صدفة أيضاً قبل أيام على فيديو مبهر لعملية تطوير بحيرة عين الصيرة، ولما كنت أعرف هذه المنطقة جيداً، وعانيت كثيراً من القذارة التى كانت تلطخ كل شبر من حدودها وكل قطرة من مائها، فقد سألت نفسى: متى وكيف حدث هذا الإنجاز الرائع؟. ولأن الموقع الإلكترونى الذى أعد الفيديو لم يذكر كلمة واحدة عن الجهة المنفذة فقد سارعت إلى الاتصال بالزميل هانى يونس، المستشار الإعلامى لرئيس مجلس الوزراء، الذى أخبرنى أن وزارة الإسكان هى التى قامت بتطوير هذه المنطقة بكاملها وأن «الإسكان» أسندت أعمال تطهير وتعميق وتكسية شواطئ البحيرة لشركة الكراكات المصرية، وقد بدأت الكراكات العمل فى هذه الخرابة التاريخية فى يوليو 2019، وانتهت منها تماماً فى 18 ديسمبر 2019. أنهيت المكالمة مع هانى يونس واتصلت بأحد مصادرى فى الشركة لأجد نفسى أمام جدار هائل من الفواجع والخيانات وقد انهار فجأة، وقامت بدلاً منه «شركة الكراكات المصرية» فى صورة جديدة.. وكأنها متهم برىء تم إنقاذه من الإعدام خنقاً قبل تنفيذ الحكم بلحظات قليلة.

هل تعرفون ما الذى حدث مع إحدى شركات قطاع الأعمال العام التى كانت معدمة وعلى وشك التصفية؟!. الأمر شديد البساطة إذا توافرت الإرادة الصادقة والإدارة الرشيدة، وما حدث أن الهيئة الهندسية للقوات المسلحة أسندت عملية كبيرة واحدة عام 2016 لشركة الكراكات المصرية، حيث كلفتها بحفر وإنشاء البحيرات الصناعية فى العلمين الجديدة، وآنذاك كانت «الكراكات» قد عادت إلى وزارة الرى بعد أن تنقلت لسنوات طويلة بين وزارات قطاع الأعمال، والتجارة والصناعة، والاستثمار، والإسكان، تمهيداً لتصفيتها، واستدعى وزير الرى أحد أبناء الكراكات من إعارة فى السودان وأسند له قيادة الشركة، وخلال شهور قليلة انتهت الكراكات من حفر وإعداد البحيرات، ثم توالت الأعمال من وزارة الرى ذاتها، ومن وزارة الزراعة ووزارة الإسكان.. وخلال أقل من 4 سنوات عادت شركة الكراكات المصرية إلى سابق عهدها وإنجازاتها.. وأنجزت العديد من المشروعات الكبيرة فى تطهير وتعميق بحيرات مصر الشمالية الطبيعية، وإقامة العديد من مخرات السيول وتكسية مساحات هائلة من شاطئ المتوسط، والمدهش أن كل هذه الإنجازات تمت بأيادى المهندسين والفنيين والعمال الذين بذل رؤساء مجالس إدارة سابقون، كل الحيل الوضيعة لتسريحهم، والأكثر إدهاشاً أن الحياة دبت كأروع ما تكون فى ورش صيانة معدات الشركة التى تم إنقاذها من براثن اللصوص الذين باعوا عشرات أضعافها خردة بتراب الفلوس.

إن هذا الطريق الذى قطعته شركة الكراكات من الوقوف على حافة التصفية، إلى النهوض وتحقيق أرباح وإنجاز أعمال ضخمة، ليس فى حاجة إلى معجزات خارقة كما يدعى بارونات الخصخصة، ولكنه كما حدث مع شركات الرى لا يحتاج إلى أكثر من إرادة صادقة وإلى إسناد أعمال تليق بهذه الشركات التى أصبحت مصر فى أشد الاحتياج إليها أكثر من أى وقت مضى.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.