الحرب الرقمية الساخنة

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

تبدو ساحات الحروب التقليدية باردة في كل ميادينها، بينما تشتد سخونة الحروب الرقمية يوما بعد يوم. ولم يحدث قط أن غرقت التقنية في المساومات السياسية، مثلما هو حاصل اليوم.

ويبدو أن جميع الأطراف يودون إخضاع الإعلام الجديد لهيمنتهم كسلاح في حروب الجيل الرابع والأجيال اللاحقة. ولذا تشتد المعارك في ميادين الحرب الرقمية يوميا على مستوى التقنيات (Hardware) والتطبيقات (software) وتبرز نيران المعارك على قمة جبل الثلج الرقمي وهي مواقع التواصل الاجتماعي.

ففي كل مجتمع وفى كل دولة وبين كثير من الافراد والمجموعات والأصدقاء هناك معارك تجرى في الفضاء الرقمي ولعل أبرزها على الساحة الامريكية معركة الإدارة الامريكية برئاسة دونالد ترامب مع موقع تويتر.

وبين كثير من الدول صراعات رقمية متفاوتة الشدة ولعل أبرزها حاليا الصراع الرقمي الأمريكي الصيني وبدرجة اقل حدة الصراع الأمريكي الروسي حول موضوع التدخل في الانتخابات الامريكية القادمة فقد قال مستشار الأمن القومي الأمريكي روبرت أوبراين، إن قراصنة إلكترونيين على صلة بالحكومة الصينية يستهدفون البنية التحتية لانتخابات الرئاسة الأمريكية المقررة في شهر نوفمبر. وتتجاوز تصريحات أوبراين على ما يبدو البيان الذي أصدره مكتب مدير المخابرات الوطنية وقال فيه “إن الصين تعمل على توسيع نطاق جهودها”

قمة جبل الجليد

أصبحت معركة الرئيس دونالد ترامب المستمرة مع TikTok واحدة من أكثر الفصول إثارة للفضول في الحرب الرقمية الساخنة  الناشبة بين أمريكا والصين. في وقت سابق من هذا الأسبوع ، أصدر ترامب أمرًا تنفيذيًا يمنح عملاق وسائل التواصل الاجتماعي الصيني مهلة حتى منتصف سبتمبر للعثور على مشتر أمريكي أو حظره في البلاد. كما أصدر أمرًا تنفيذيًا مشابهًا لخدمة الرسائل الصينية WeChat.

تجمع هذه القصة عدة خيوط. مايكروسوفت مستعدة لدفع حوالي 50 مليار دولار مقابل تطبيق يستخدم بشكل أساسي لمشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة والمضحكة التي أنشأها مستخدمون آخرون. يشترك في التطبيق حاليًا 100 مليون مستخدم أمريكي ويعتقد المحللون أن هذا قد ينمو بسرعة كبيرة وسيصل قريبًا إلى 200 مليار دولار.

 تريد إدارة ترامب حظر التطبيق لأنها تعتقد أنه قد يُطلب من مالكيها الصينيين التعاون مع الحكومة الصينية، والتي بدورها قد تستخدم المنصة للتجسس أو لنشر معلومات خاطئة تهدد الأمن القومي. إذا لم تتمكن Microsoft و TikTok من إجراء عملية الشراء هذه بحلول منتصف سبتمبر – وهو أمر صعب لصفقة بهذا الحجم – فإن ترامب سيوقف عملها في الولايات المتحدة.إنه تحول لا يقاوم في الخلاف الدبلوماسي بين إدارة ترامب وبكين منذ أربع سنوات ، ويأتي بعد أن ضغط ترامب على دول أخرى لاتخاذ موقف أكثر تشددًا تجاه الصين.

معارك التقنيات (Hardware)

أكّد الخبراء أن أحد أهم أسباب التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين ترتكز في واقع الأمر على صراع أكبر اقتصادين في العالم للسيطرة على سوق اتصالات «الجيل الخامس» 5G، تلك التقنية الثورية الجديدة التي تعتبرها الصين العمود الفقري لاستراتيجية «صنع في الصين 2025»، التي ستحّول بكين إلى «قوة تقنية عظمى»، فيما تعتبر الولايات المتحدة تلك الاستراتيجية مصدر قلق بالغاً وتهديداً مباشراً لأمنها القومي.

وتمّثل تقنية الاتصال بالجيل الخامس 5G أحد أهم بؤر ذلك الصراع بين الصين وأمريكا، حيث من المرتقب أن تكون تلك التقنية بمثابة العمود الفقري للعديد من الصناعات التي أعلنت بكين أنها ستقوم بتطويرها ضمن «صنع في الصين 2025» مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية، وأتمتة الآلات، والروبوتات، ومعدات الفضاء والطيران، والمعدات البحرية والشحن عالي التقنية، ومعدات النقل الحديثة للسكك الحديدية، والسيارات ذاتية القيادة والمعتمدة على الطاقة الجديدة، ومعدات الطاقة، والمعدات الزراعية، وتطوير الأجهزة العسكرية الجديدة، والمستحضرات الدوائية الحديثة والمنتجات الطبية المتقدمة.

وفيما يتعلق بشبكات الجيل الخامس، قال تشارلز يانغ أن شركة «هواوي» وقّعت 25 عقداً تجارياً لتحتل بذلك المركز الأول بين جميع مزودي تقنية المعلومات والاتصالات، حيث إن الشركة شحنت بالفعل أكثر من 10 آلاف محطة رئيسية لشبكات الجيل الخامس إلى الأسواق في أنحاء العالم.

ويشتد صراع الهيمنة على سوق الجيل الخامس بين العملاقين الاقتصاديين، الذي من المتوقع أن يبلغ حجمه أكثر من 250 مليار دولار عالمياً بحلول عام 2025.  

ويخوض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معركة شرسة نيابة عن شركات اسبيس اكس وامازون وجوجل  ضد شركة هواوي التي يعتبرها تمثل خطرا على الأمن القومي الأمريكي لارتباطها بالحكومة الصينية.وفي منتصف مايو الماضي، مدد ترامب لمدة عام آخر الأمر التنفيذي الذي وُقِّع في شهر مايو 2019، وبه مُنعت الشركات الأمريكية من التعامل مع شركة هواوي الصينية.

وتحضّ إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المجتمع الدولي على تجنّب هواوي الرائدة في مجال شبكة اتصالات الجيل الخامس، واصفا الشركة بأنها ذراع للحكومة الصينية.اتسعت دائرة الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وشركة هواوي، وقررت واشنطن فرض عقوبات جديدة على عملاق التكنولوجيا الصيني.

وطلبت الحكومة البريطانية بإيعاز من الحكومة الامريكية من شركات التكنولوجيا الاستغناء عن استخدام معدات هواوي في شبكة الجيل الخامس بحلول 2027. كما تم تقييد عمل هواوى في فرنسا .

وقال مسؤول أمريكي إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تخطط لوضع اللمسات النهائية هذا الأسبوع على قواعد تنظيمية ستحظر على حكومة الولايات المتحدة شراء السلع أو الخدمات من أي شركة تستخدم منتجات 5 شركات صينية من بينها هواوي وهيكفيجن وداهوا.

وترتبط القواعد الجديدة بقانون سُن في 2019، وقد تكون لها تداعيات واسعة النطاق على الشركات التي تبيع السلع والخدمات إلى الحكومة الأمريكية وأضاف أن القواعد الجديدة لا تستهدف مجرد حظر استخدام الأجهزة الحكومية لمنتجات هواوي وشركات صينية أخرى، بل الحد من نفوذها، قائلا إنها تُخيّر الشركات بين العمل مع الحكومة الأمريكية أو مع الشركات الصينية.

وهذه ليست المرة الأولى التي تعمل فيها واشنطن على فرض عزلة على الشركات الصينية.ففي العام الماضي، وضعت واشنطن كلا من هواوي وهيكفيجن وشركات أخرى على قائمة اقتصادية سوداء، بما يحظر على تلك الشركات شراء المكونات من الشركات الأمريكية دون موافقة حكومة الولايات المتحدة.وفي 30 يونيو الماضي، أعلنت لجنة الاتصالات الاتحادية رسميا أن شركتي هواوي وزد.تي.إي تشكلان خطرا على الأمن القومي الأمريكي، وهو ما يحظر على الشركات الأمريكية استخدام صندوق حكومي حجمه 8.3 مليار دولار لشراء المعدات من الشركتين.

ووفق وسائل إعلام أمريكية، نشرت وزارة الدفاع (البنتاجون) قائمة تشمل 20 شركة صينية من بينها هواوي، تعتبر أنها مرتبطة بالجيش الصيني.وتشمل القائمة أيضا تشاينا موبايل كوميونيكيشنز جروب وتشاينا تليكوميونيكيشنز كورب وكذلك شركة صناعة الطيران الصينية.وتتولى وزارة الدفاع إعداد التصنيف، بموجب قانون صادر عام 1999 منحها السلطة لجمع قائمة للشركات العسكرية الصينية التي تعمل في الولايات المتحدة، بما في ذلك تلك “المملوكة أو الخاضعة لسيطرة” جيش التحرير الشعبي الصيني والتي تقدم خدمات تجارية وصناعية وتقوم بالإنتاج أو التصدير.

في المقابل بدأت الصين تلوح بأوراق ضغط هائلة

تتمثل فيما توفره الصين من معادن نادرة، تحتاج إليها شركات الكمبيوتر والهواتف الذكية والصناعات الدقيقة والعسكرية في الغرب، في طريقه للمساومة على مكاسب السوق وتنازلاته عند أول تصعيد. هذا يؤسس لإمكانية ليّ الأذرع في إنتاج الأجهزة والمعدات hardware، ويضاف إلى الضغوط الداخلية في شركات التكنولوجيا الغربية لإيجاد بدائل مجدية لصادرات الصين من هذه المعادن البالغ (87 في المئة من الإنتاج العالمي بواقع 140 ألف طن لعام 2020

معارك التطبيقات (software)

لا تسمح الصين وروسيا للتطبيقات الغربية عموماً والأميركية خصوصاً بالعمل ضمن جغرافيتها السيبرانية، وما استثني من ذلك يعمل ضمن حدود. كما منعت الهند تطبيقات صينية شديدة الرواج، إثر الصراع الحدودي الأخير بين البلدين، ومن ضمنها تطبيق تيك توك،

واوروبا تستعد لإخضاع فيسبوك ويوتيوب وتويتر لمحاذير محتوى الكراهية الخاصة بقنوات البث التقليدية، بينما في الولايات المتحدة، قدم الرؤساء التنفيذيون لأمازون وفيسبوك وألفابيت وأبل لتقديم حججهم أمام الكونغرس نهاية شهر يوليو الماضي رداً على مسائلات طرح الثقة في ممارساتهم تجاه الخصوصية والرأي العام.

وعلى صعيد البرامج الانتخابية الامريكية ، ينظر كلا المتنافسين ترامب وبايدن في مسألة وضع محاذير لمنع الاحتكار، مع دراسة جدوى الضرائب الرقمية، مع أنه لا يبدو أنهما قد قررا متابعة مسألة تفكيك الشركات المتضخمة. الرجلان أيضاً يشجعان تنظيم وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن بدافعين مختلفين: بايدن يطالب بضمانات نشر الحقائق المثبتة، وترامب يطالب بعدم استهداف المحافظين بالأخص، كما يجتمعان على مكافحة خطاب الكراهية على منصات التواصل، وإن كان ذلك بدافعين مختلفين، ومساعٍ تكمن وراءها مكاسب وأثمان سياسية.

نهاية المعارك (Splinternet)

قال وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إنه يريد “تنظيف” الإنترنت وأوضح أن “تطبيقات جمهورية الصين الشعبية تهدد خصوصيتنا، وتنشر الفيروسات والدعاية (البروباغندا) والتضليل”.. ما الذي يعنيه بذلك؟ انه يريد إزالة التأثير الصيني وشركات التكنولوجيا الصينية من شبكة الإنترنت في الولايات المتحدة. بيد أن منتقدين لذلك يرون أن مثل هذه الخطوة ستعزز التحرك المُثير للقلق نحو تقسيم شبكة الإنترنت الدولية. ويستخدم مصطلح “سبلنترنت” (أو شبكة الإنترنت المقسمة) في العموم عند الحديث عن الصين، ومؤخرا روسيا. ولعل الفكرة وراء ذلك هي أنه ليس هناك أمر محدد مسبقا يقضي بأن يكون نطاق شبكة الإنترنت عالميا.

وما يثير السخرية بشكل كبير هنا، هو أن شبكة الإنترنت ستصبح أشبه بالرؤية الصينية لها إلى حد كبير.

لنأخذ تطبيق “تيك توك” نفسه، فإذا اشترت مايكروسوفت التطبيق في الولايات المتحدة ستكون لدينا ثلاث تطبيقات “تيك توك”: واحد في الصين (يسمى دويَن)، وأخر لبقية أنحاء العالم، وثالث للولايات المتحدة الأمريكية.

فهل سيكون ذلك نموذجا لمستقبل شبكة الإنترنت؟

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.