الهرب للمحتل

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

الانفجار الذى هز جسد بيروت تحول لانفجار سياسى ما زال مرشحاً لإنتاج مزيد من الانفجارات التى تمزق الجسد الجميل، يملك المصريون عاطفة نبيلة تجاه لبنان، وحالة فشل الطبقة السياسية فى لبنان تذكرهم بالوضع فى سنة حكم الإخوان وتدخل الجيش لحسم الصراع لصالح الشعب وإنهاء حالة الفوضى التى كانت على الأبواب.

مأساة لبنان الحقيقية كانت فى أنه كان دائماً مسرحاً لصراع القوى الكبرى فى المنطقة، وأنه كان مؤهلاً بحكم تكوينه الطائفى لذلك. تاريخياً كانت فرنسا هى الراعى التاريخى للموارنة فى جبل لبنان ومع الوقت صارت تعرف عند اللبنانيين بالأم الرؤوم.

مع سنوات السبعينات وصعود النفط العربى احتضنت السعودية سُنة لبنان، ومع إنهاء الحرب الأهلية واتفاق الطائف صار هناك ظل من الرعاية السعودية من خلال رئيس وزراء قوى هو رفيق الحريرى. مع الثورة الإيرانية والنفوذ السورى التقليدى فى لبنان وزيادة أعداد الشيعة (المحرومين) والاحتلال الإسرائيلى لجنوب لبنان ظهر حزب الله كحركة مقاومة وطنية فى الأساس.

حتى خروج إسرائيل من الجنوب فى ٢٠٠٦ ولسنوات بعدها كان حزب الله شبه مجمع عليه من اللبنانيين وكان خارج المساءلة والنقد. المشكلة أن الحزب لم يخط خطوات واجبة ليصبح حركة وطنية لبنانية وزادت علاقته بإيران متانة واعتمادية، للدرجة التى دفعت البعض لوصف مقاتليه بأنهم عملاء إيران فى لبنان.

تغول الحزب وفرض هيمنته على لبنان كلها ووجد الجميع أنفسهم عاجزين عن المقاومة.

لم يكن أمام السعودية ودول الخليج سوى أن ترفع يدها عن لبنان وتوقف الدعم المالى الذى كان أساسياً لاستمرار الحياة فى البلد الجميل.

مع انقطاع الدعم واستمرار الفساد انكشفت الطبقة السياسية أمام جمهورها، وعجز زعماء الطوائف عن تقديم الدعم والمزايا لجماهيرهم، ما أدى بالجميع للنزول للشارع. لم يؤد الحراك لتغيير حقيقى ثم جاء انفجار الميناء ليؤدى لانفجار الوضع السياسى مرة أخرى. فى حالة فشل الطبقة السياسية واقتراب الدولة من حافة الفشل فإن هناك سيناريوهين اثنين لا ثالث لهما، إما تدخل الجيش للمحافظة على الدولة والسيطرة على الوضع (كما حدث فى مصر)، أو اللجوء لطرف خارجى. بسبب طبيعة الوضع اللبنانى فالجيش اللبنانى أضعف بكثير من السيطرة على الوضع فى ضوء وجود ميليشيا مثل حزب الله.

السيناريو الثانى كان أقرب للأرض، وجاء الرئيس الفرنسى ماكرون مفوضاً من الغرب ليزور بيروت. فى حالة اليأس التى يشعر بها اللبنانيون ورفض السياسيين القدامى للرحيل يبدو مفهوماً مطالبة بعض اللبنانيين بعودة الانتداب الفرنسى للبنان. هى صرخة يأس لها جذور تاريخية فى كل البلاد التى تعرضت لاحتلال أجنبى ومنها مصر فى بداية القرن الماضى.

المشكلة الحقيقية أن الاحتلال الفرنسى لن يكون نزهة، وهناك قوى وميليشيات مسلحة لديها أسباب دينية وسياسية لمقاومة الاحتلال المتوقع. المشكلة أيضاً فى غياب شخصية سياسية قادرة على تجميع اللبنانيين والعبور بهم إلى مرحلة جديدة.

وهناك مشكلة أخرى وهى أن العائلات الطائفية المتحكمة ستقدم جيلاً جديداً من أبنائها على أنهم الطبقة السياسية الجديدة. ربما يكون الحل فى إعادة تأسيس الجيش الوطنى اللبنانى على أساس جديد غير طائفى.

ربما يكون رسم خارطة طريق جديدة تتخلى فيها الطوائف عن رغبتها فى السيطرة، الأساس سيكون نزع سلاح حزب الله وإنهاء سيطرته على الدولة، مع مراعاة أن شيعة لبنان سيبقون فى حاجة إلى تمثيل سياسى فى تركيبة السلطة ولكنهم يحتاجون إلى أن ينتموا إلى لبنان أكثر من انتمائهم لإيران.

وينطبق نفس الأمر على الطوائف الأخرى. سيكون دور الغرب ودول الاعتدال العربى مهماً فى دعم الدولة والجيش الوطنى فى لبنان، وليس فى إعادة سيناريوهات الاحتلال والانتداب، فالتاريخ لا يعود للوراء والفشل الأمريكى فى العراق خير دليل.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.