لبننة ثم عرقنة.. والبقية تأتى

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

من لبنان إلى العراق انتقلت مشاهد التظاهر والاعتراض والرفض، وطارت الاحتجاجات من بيروت إلى بغداد. أصوات تجأر بالعودة إلى الوظائف، ودفع الرواتب المتأخرة، وتحسين أوضاع المرافق التى تعانى من مشكلات عدة. المتظاهرون فى بغداد -كما هو الحال فى بيروت- خليط من العاملين فى مواقع عدة، وخريجى الجامعات، والبشر العاديين من أرباب الأسر التى تعانى. الكل يتشارك فى الصراخ بمطلبين «الدخل والخدمات».

يتشارك كل من لبنان والعراق فى العديد من الأوضاع والظروف. خاض لبنان حرباً أهلية طاحنة بدأت فى السبعينات ووضعت أوزارها أواخر الثمانينات، ذاق فيها الشعب الأمرَّين، وانتهت مع صدور مقررات قمة الطائف، حين توافقت الأطراف المتصارعة بلبنان على فكرة المحاصصة وتقسيم مواقع السلطة بين الطوائف المختلفة (السنة والشيعة والمارون).

عشية انتهاء الحرب الأهلية فى لبنان، كان الغزو العراقى للكويت عام 1990، ثم كانت حرب تحرير الكويت، ثم الغزو الأمريكى للعراق وسقوط بغداد فى أيدى الأمريكان عام 2003. وقتها كان الكثيرون يحذرون من تحول العراق إلى لبنان جديد، بعد أن أطلت الطائفية بوجهها القبيح خلال إعدام الرئيس صدام حسين، وبدأت سلسلة التفجيرات المتبادلة بين الطوائف المختلفة بالعراق (السنة والشيعة)، وانتقلنا من طور اللبننة إلى طور العرقنة.

فكرة اللعب على الورقة الطائفية مثلت فكرة محبذة لدى الغرب. قديماً كنا ندرس أن الاستعمار عاش يرتع عقوداً مطولة فى العالم العربى معتمداً على قاعدة «فرِّق تسُد». المعادلة ما زالت فاعلة فى العالم العربى بعد خروج المستعمر. تم تطبيقها فى لبنان فى البداية فتحول بفعل التفرقة الطائفية إلى مجموعة من الجزر المنعزلة، ثم وقع الجميع فى قبضة الطائفة التى تملك أدوات القوة والتى يعبر عنها «حزب الله»، ثم انتقلت الفكرة إلى العراق بعد الغزو الأمريكى، وسارت على النهج نفسه.

معادلة الطائفية بسيطة جداً، وهى ناجحة بشكل منقطع النظير فى الحالة العربية، هى تبدأ بالمحاصصات، تحت شعار العدل فى تقاسم السلطة، بعدها تنطلق الصراعات، حين تحاول كل طائفة احتكار السلطة والثروة. السعى إلى احتكار السلطة يشعل الصراعات، أما الجرى وراء احتكار الثروة فيؤدى إلى الفساد، والنتيجة انشغال الجالسين على كراسى المسئولية عن توفير القوت وفرص العمل والخدمات للمواطن، بعدها ينتقل المشهد خطوة إلى الأمام حين تنزل الشعوب المعذورة إلى الشوارع، وتبدأ فى لعن الدولة ومؤسساتها، بعدها يأتى التفكيك.

العرب يسيرون نحو أقدارهم التى رسمها لهم الغرب طيعين طائعين، وكأنهم يعيشون مأساة إغريقية، الضياع فيها حتم محتوم. فالطائفية قادرة على تفتيت الحجر الصلب فتحيله إلى ذرات تذروها الرياح، وإن لم تكن قائمة فى دولة فـ«القبلية حاضرة» والتعصب القبلى لا يقل خطورة عن التعصب الطائفى.

هكذا يعاد رسم خرائط المنطقة العربية بسهولة ويُسر، وبيد العرب أكثر مما هو بيد غيرهم، وبإمكانهم بعد أن يدركوا الفخ الذى سقطوا فيه أن يسبوا ويلعنوا، وأن يعدوا ويتوعدوا، لكن الواقع فى النهاية يفرض نفسه.. كل يوم يمر تطفو على سطح الأحداث عاصمة عربية جديدة تذكرنا بالمأساة التى نحفظها جيداً. ورغم ذلك لا يتعلم العرب.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.